محمد ابو زهره
718
خاتم النبيين ( ص )
ولى الذين قتلوا ، ووليهم اللّه ورسوله والمؤمنون . كما قال تعالى : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ( المائدة - 55 ) . ثم لابد من تأديبهم ، بإنزال أشد النكال بهم ، لأنهم خدعوا في أمر الدعوة ، فلابد أن ينزل بهم ما يكون فيه عبرة لغيرهم ، حتى لا يرتكبوا تلك الخديعة باسم الهداية . بعد بني قريظة أقام النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة من سنة خمس ، والمحرم وصفر وشهري ربيع ، يعلم الناس أمر دينهم ، ويبلغ الدعوة ، ويتصل بالقبائل العربية داعيا مرشدا ، ويعلم شعار الإسلام ومبادئه لأصحابه الذين حملوا فقه الإسلام لمن بعده . وفي جمادى الأولى خرج إلى بنى لحيان يطالب بأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه ، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة . ولقد ذكر البيهقي أن ذلك كان في سنة أربع ، ولكن ابن إسحاق ذكر أنه كان في سنة ست ، ونحن نختار ما اختاره ابن إسحاق ، فهو أوثق في أخبار السيرة ، كما قال الشافعي رضى اللّه عنه : الناس في السيرة عيال على محمد بن إسحاق . خرج رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم في جمع من أصحابه ، وأراد أن يصيب من الغادرين غرة ، فخرج من المدينة إلى طريق على الشام ، ليوهم أولئك أنه يقصد غيرهم ، والحرب خدعة ، وبعد أن سار أمدا عرج على اليسار متجها إلى مكة ، وأغذ السير سريعا ، ليدركهم قبل أن يتنبهوا إلى مقصده . ولكنهم حذروا خوفا ، وقد أدركوا أن القوة قد آلت إلى أهل الإيمان بقيادة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وتمنعوا في رؤس الجبال . وعندئذ علم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه أخطأ من غرتهم ما أراد . فاتجه إلى غسان في مائتي راكب من أصحابه حتى نزلها ، وأرسل اثنين من الفرسان يتعرفان النواحي . وإن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد أن سار في القبائل متعرفا داعيا ، مبينا شرع اللّه تعالى لمن يلقاه من أهل الصحراء ، قفل راجعا إلى المدينة المنورة . وإنه في هذه الرحلة المباركة ، وإن لم يتمكن من تأديب الفجرة الغادرين على غدرهم وخيانتهم فقد تعرف البلاد على حالها والصحراء وقبائلها ، وهو يدعو إلى دينه ، حيثما وجد سبيلا للدعوة وأرهب مع ذلك أهل الشر من القبائل العربية ، ونشر هيبة الإسلام فيها مما جعلهم يفكرون في أمر هذا الدين الجديد الذي جاء بالحق والقسطاس ، ومعه القوة التي تحميهما .